ابن كثير

221

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

منكم ، أو كما قالوا لهم فقالوا لهم : سلام عليكم لا نجاهلكم لنا ما نحن عليه ، ولكم ما أنتم عليه لم نأل أنفسنا خيرا . قال : ويقال إن النفر النصارى من أهل نجران ، فاللّه أعلم أي ذلك كان . قال : ويقال - واللّه أعلم - أن فيهم نزلت هذه الآيات الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ - إلى قوله - لا نَبْتَغِي الْجاهِلِينَ قال : وسألت الزهري عن هذه الآيات فيمن نزلت ؟ قال : ما زلت أسمع من علمائنا أنهن نزلن في النجاشي وأصحابه رضي اللّه عنهم والآيات اللاتي في سورة المائدة ذلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْباناً - إلى قوله - فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ « 1 » [ آل عمران : 53 ] . [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 56 إلى 57 ] إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( 56 ) وَقالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنا أَ وَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقاً مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 57 ) يقول تعالى لرسوله صلى اللّه عليه وسلم إنك يا محمد لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ أي ليس إليك ذلك ، إنما عليك البلاغ ، واللّه يهدي من يشاء ، وله الحكمة البالغة والحجة الدامغة ، كما قال تعالى : لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهُمْ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ [ البقرة : 272 ] وقال تعالى : وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [ يوسف : 103 ] وهذه الآية أخص من هذا كله ، فإنه قال : إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ أي هو أعلم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الغواية . وقد ثبت في الصحيحين أنها نزلت في أبي طالب عم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وقد كان يحوطه وينصره ويقوم في صفه ويحبه حبا شديدا طبعيا لا شرعيا ، فلما حضرته الوفاة وحان أجله ، دعاه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إلى الإيمان والدخول في الإسلام . فسبق القدر فيه واختطف من يده ، فاستمر على ما كان عليه من الكفر ، وللّه الحكمة التامة . قال الزهري : حدثني سعيد بن المسيب عن أبيه ، وهو المسيب بن حزن المخزومي رضي اللّه عنه قال : لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، فوجد عنده أبا جهل بن هشام وعبد اللّه بن أبي أمية بن المغيرة ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يا عم قل لا إله إلا اللّه ، كلمة أحاج لك بها عند اللّه » فقال أبو جهل وعبد اللّه بن أبي أمية : يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب ؟ فلم يزل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : يعرضها عليه ويعودان له بتلك المقالة حتى كان آخر ما قال : هو على ملة عبد المطلب ، وأبي أن يقول لا إله إلا اللّه ، فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « واللّه لأستغفرن لك ما لم أنه عنك » فأنزل اللّه تعالى : ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كانُوا أُولِي قُرْبى [ التوبة : 113 ] وأنزل في أبي طالب

--> ( 1 ) انظر سيرة ابن هشام 1 / 392 .